قل ما تشاءُ , كما تشاءُ , متى تشاءُ , لمن تشاءْ

الجمعة، 23 مايو، 2008

بردون مدام




أمرٌ هامٌ يحدث , فالمستشفى ليس كعادته و خصوصا الدور الأول حيث تقبع الإدارة العليا بمكاتبها الفارهة المهيبة , الجميع يتهامسون عما يدور داخل الغرفة التي أخليت تماما من موظفيها و تم تخصيصها لوكيل النيابة الإدارية الذي أنتدب للتحقيق بالمستشفى في أمور تتعلق بقرارات العلاج على نفقة الدولة , الجو يفوح برائحة التوتر المسكون بين جدران بعض المكاتب المعروفة و العيون بين لامعة بالترقب و بين مضيئة بسرور محبوس في الصدور و داخل المصعد فرضت أحداث الدور الأول نفسها على التعليقات السريعة
- شكرا كده يا ريس أخر سنة ليه و حياتك
- يا عم هيجددوله عشان خاطر عيون عمه أنت عبيط ولا أيه ؟
- الموضوع أصلا مش هيلوطه , إدارة الحسابات و مكتب الدخول هما اللي هيلبسوه
و بينما كنت أراجع مديونية مرضى الصدر بمكتبي همس لي زميلٌ جاء ليشرب معي شاي الصباح
- سمعت أن و كيل النيابة أستدعى خمسة من زمايلنا للتحقيق
غرس القلق أنيابه في القلب
- ما تعرفش بيسألوا عن أيه ؟
خطف نظرة سريعة من الموظفة الجالسة على مكتب غير بعيد ليطمئن إلى سرية الحوار ثم انحنى على مكتبي مقتربا بوجهه أكثر
- بيقولوا بعض المرضى المنتفعين بالتأمين الصحي صدر ليهم قرارات علاج على نفقة الدولة و أتقبلت في المستشفى و كمان في قلق على التعديلات اللي بالقلم الجاف زي تعديل الاسم و نوع العلاج ؟
قلتُ محتجاً و أنا أحاول ضبط أعصابي
- و إحنا مالنا بموضوع التأمين الصحي ؟ دي مسئولية الوزارة هي اللي تتأكد قبل ما تصدر القرارات و كمان التعديلات اللي بالقلم الجاف موقعة و معتمدة بختم النسر
أتى على الثلث المتبقي من كوب الشاي دفعة واحدة و قال و هو ينهض إيذاناً بالانصراف
- أنا بقولك اللي بيتقال و عموما خد بالك و ما تخدش قرار غير بجواب من التأمين الصحي يفيد بعدم إنتفاع المريض بالتأمين و كمان ما تقبلش أي تعديلات بالقلم الجاف سلامو عليكم
- و عليكم السلام
لم تمر ربع ساعة حتى علمتُ بأسماء من تم استدعائهم و قمت بالاتصال بهم و تأكد لي صحة ما قاله ذلك الزميل عن نوعية الأسئلة محل التحقيق
تحصنت بالحذر و أضفت إليه اللوائح و القوانين درعاً واقياً عمدت إلى انتزاع القلب طوال ساعات العمل و حفظه في خزينة التشبث بالأمان واضعاً بدلاً منه ملف الأوامر المكتبية المكتنز , و مرت أيام دون أن تلوح بشارة في الأفق بانقشاع الغمة و تضاربت الأخبار حول نتائج التحقيقات و بات الترقب سيد الموقف دون منازع , رفضتُ قرارات عديدة قبلتُ مئات مثلها قبل حلول الأزمة لم يغلبني ضعف أمام عين باكية أو قصة محزنة لكفاح طويل مع المرض صرت شخصاً أخر مختلفاً تماماً عني نبت كيانه من بذرة الإرهاب الخبيثة و لم يبقى من شخصي الأول إلا مقدار ما يبقى من ساعات أقضيها في البيت قبيل النوم
و ذات يوم و بينما كنت مسترخياً في مقعدي حاضناً بكفيَّ كوب الشاي بالحليب طارحاً ملفات العمل على سطح المكتب مهملة محاولا سرقة دقائق من الفراغ أفكُ فيها ما تشابك في رأسي من مسائل العمل جاءني الاستدعاء حمله إليَّ موظف من الشئون القانونية وقعتُ بالاستلام على الصورة و أنا أتصنع ألامبالاة بابتسامة ساخرة و مضى بصورته حاملاً معه لعنتي و الفراغ و دفء الشاي بالحليب .
و بعد يومين و في تمام الموعد المحدد كنت في حجرة وكيل النيابة الذي جلس في هيبة المقصلة خلف مكتب ذكرني بمكتب مدير عام المستشفى ترى هل صارت المكاتب نوعاً جديداً من الرشوة في هذا العهد و في منتصف الجانب الأيسر من الحجرة جلس كاتب التحقيقات إلى مكتب متواضع كوظيفته
قال بنبرة روتينية جافه
- أهلا و سهلا
قلت بابتسامة الواثق من البراءة
- أهلا بحضرتك يا فندم
ظل دقائق يتنقل بين ملفات عديدة على مكتبه يقلب في أوراقها متوقفا قليلاً عند ورقات معينة و مفتشاً في أدراجه عن شيء ما , يا لها من بداية , ترى هل يتعمد إثارة توتري ؟ ثم قال موجها خطابه إلى كاتب التحقيقات
- هو ملف أحمد العشماوي فين ؟
- أحنا بعتناه حضرتك النهاردة الصبح
قال وقد بدت في ملامحه إمارات التذكر
- أه صحيح .... خلاص مش مهم
ثم نظر إليَّ و كأنه يراني لأول مرة ثم قال كمن تذكر فجأة
- أه ..... أهلا و سهلا يا أستاذ
يبدو أن غرفة العمليات سوف تُفتحُ اليوم لمريض يعاني انفجاراً في المرارة
- يا أهلا بحضرتك
قال دون أن يرفع عينيه عن أوراق أستخرجها من ملف أمامه
- حضرتك الأستاذ أحمد سليمان مش كده ؟
- أيوه يا فندم
أعاد الأوراق إلى ملفها و أزاحه إلى طرف المكتب
- عظيم , نبدأ بقى , الاسم الثلاثي من فضلك و السن و المهنة و تاريخ استلام العمل
- أحمد سليمان عودة , 28 سنة , محاسب , تاريخ استلام العمل 25/1/2005
- ما قولك فيما هو منسوب إليك من أنك قمت باستلام قرارات علاج على نفقة الدولة بقيمة 22000 جنية للمريض منصور أحمد هارون و الذي كان محجوزا برعاية الصدر في الفترة من 22/9/2006 إلى 29/1/2007 علماً بأن المريض كان منتفعاً بالتأمين الصحي ؟
يا ليت أعمالنا على قدر فصاحتنا في التحقيقات . قلت ببساطة
- مش فاهم
- هو أيه ده اللي مش فاهم ؟
- مش فاهم أيه المشكلة في كده
قال بشيء من الانفعال
- و هل يجوز يا أستاذ استصدار قرار علاج على نفقة الدولة لشخص منتفع بالتأمين الصحي ؟
و هل يجوز أن يتزوج الفأر باليمامة ؟ و هل يجوز بعد أربع سنوات من العمل أن لا يزيد مرتبي بالحوافز عن خمسمائة جنيه ؟ و هل يجوز أن أصل إلى هذا العمر و مازلتُ رفيق المخدة في الفراش ؟ و هل يجوز ؟ و هل يجوز ؟ و هل يجوز ؟
- يا فندم أنا معرفش لأني معنديش تعليمات بخصوص الموضوع ده أصلا
قال مؤكداً
- حضرتك بتقول ما عندكش تعليمات ؟
- أيوة سعادتك ما عنديش تعليمات
تناول ملف من على رأس مجموعة من الملفات تراصت فوق بعضها على مكتبه و أخرج منها ورقة مطبوعة مد يده بها إليَّ و هو يقول بهدوء المنتصر
- و أيه رأيك في المنشور ده ؟
حلو أوي .... جبته بكام
هذا ما أردتُ أن أقوله ساخراً من مئات المنشورات المسجونة في الأدراج و التي لم يقدر لها حضورٌ في ساحة التنفيذ
تناولت المنشور من يده كان معتمداً للنشر بتاريخ 10/2005
تصنعت القراءة و حاولت أن أبدو كشخص يرى المنشور لأول مرة فمنذ يومين أطلعني زميل على صورة منه حصل عليها من صديق له يعمل في وزارة الصحة أعطاني إياها و هو يقول – أدي يا سيدي المنشور اللي عايزين يلبسونا بيه الخازوق –
و قبل انتهاء المدة التي قدرت أن تكون مناسبة لقراءة المنشور قال
- المنشور ده يا أستاذ بيقول أن عليك التأكد من عدم إنتفاع المريض بأي نظام علاجي أخر كالتأمين الصحي قبل قبولك القرار يبقى ازاي معندكش تعليمات بخصوص الموضوع ؟
قلتُ مستميتاً في الدفاع
- أنا أول مرة أشوف المنشور ده حضرتك
- عايز تقول أن المنشور لم يوزع عليكم من 2005 ؟!
تماما كما تروي حكايات السابقين نفس الأسئلة و نفس الترتيب ترى هل يسعى إلى الإيقاع بواحد من الجرادل
- بالظبط كده أنا ما استلمتش المنشورة ده و حضرتك ممكن تتأكد من سكرتير مدير الحسابات لو استلمت يبقى فيه توقيع بالاستلام
لم يرد , لحظات من الصمت المشحون بالأفكار الخططية و انفعالات الترقب و الحذر ثم نظر في الملف الموضوع أمامه باحثاً في محتوياته عن فخ جديد و حل صمت عميق . كان كاتب التحقيق يتأمل ما كتبه من أسئلة و أجوبه أثبت براعة في إثباتها على الورق رغم سرعة الحوار وضح ذلك من علامات الرضا في وجهه . أخذت أختلس النظرات إلى وكيل النيابة كان ممتلئ الجسد تشعر و كأنه بلا عضلات يمتلك ثديين كبيرين بدَّا من تحت القميص الأبيض وكأنهما لامرأة و ليس لرجل , ذو شارب كث أستقر في أناقة تحت أنف كاد أن يضيع في لحم وجهه المكتنز و عينين ضيقتين تزداد ضيقاً عندما يقرأ حيث يغلقهما نصف إغلاقة و انتابتني رغبة عارمة في أن أبصق في وجهه لم تكن عن كره و لكنها رغبة ابتليت بها منذ عام تقريبا, رغبة مجهولة النسب , ليس لها جذور ناشبة في أعماق الطفولة مثلاً , تخلو من أي مبرر و لو تافه , لا أعرف لها باعث ولا أجد منها مفر , تباغتني و لو كان الهدف الذي تسعى إلى التزلج على صفحة وجهه شخصاً يحتلُ موقعاً إستراتيجيَّاً هاماً في القلب , ورغم ذلك فهي ذات حضور بالغ السطوة , عظيم الجبروت , تلحُ عليَّ بشدة كلما كنتُ في حضرة شخصية هامة لدرجة تدفعني أحياناً إلى الاستئذان في الانصراف و الهروب بأقصى سرعة خشية العواقب الوخيمة لو حدث و استسلمت لها غير مبالياً بما قد يثار من أسئلة حول مدى سلامة قوايَّ العقلية و لكن لم يكن الهروب دائما بلا عواقب فذات مرة قابلت والدة فتاة كنت أتودد إليها و في نيتي خير و بعدما تصارحنا بمشاعرنا و تبادلنا البوح بالأحلام أخبرتني أنها حدثت أمها كثيراً عني لدرجة جعلت أمها ترغب بشدة في مقابلتي و تحقق حلم الأم و تقابلنا في كافيتيريا داخل أحد المولات الكبيرة , في البدء كان كل شيء يسير على ما يرام أخذت الأم تتحدث في خطوط عامة عن القيم الجميلة في الحياة الزوجية مثل الود و الرحمة و السكينة و كم يتحمل الإنسان من تضحيات و مصاريف في سبيل هذه الحياة و فجأة هاجمتني الرغبة الملعونة
كان هجوماً شرساً لا يقاوم و كلما نظرت إلى وجهها أشعر و كأنني أقترب من السقوط في الهاوية حاولت أن أدعي الحياء فثبَّتُ عينيَّ في فنجان الشاي الذي احتويته بكفيَّ على الطاولة بيننا و لكن الحائط الأخير من الدفاع انهار تماماً تحت سيل الضربات الضارية انتفضت قائماً كالمذعور و أسرعت بالخروج من الكافيتيريا مخلفاً ورائي دهشة جنونية و جرحاً غائراً في قلب
- طب و أيه رأيك في القرار ده ؟
سددتُ عليها الطريق بشفتيَّ و أسناني و بقوة الخوف المهولة من العقاب ابتلعتها في جوفي كنحاس منصهر الله يخرب بيتك يا شيخ أخذتُ القرار و ألقيت عليه نظرة سريعة ثم قلت
- ماله القرار ده ؟
- المريض ده كان عندك في قسم الأمراض الباطنية و القرار كان صادر على قسم القلب لعمل قسطرة و تركيب دعامة و بناءاً عليه كان مبلغ القرار 6500 جنيه بينما أقصى حد لمساهمة الدولة في أمراض الباطنية هو 3000 جنيه و مع ذلك قبلت القرار و لم تتعدى فاتورة المريض بالقسم الداخلي 2000 جنيه و تم تحويل الرصيد المتبقي من القرار إلى القسم الخارجي حيث تم صرف أدوية لأمراض الصدر و الحساسية بالمبلغ المتبقي كاملاً .
أه يا نسل المحفوظات يا ربيب اللوائح و التعليمات
- أكيد حضرتك أخدت بالك إن نوع العلاج تم تعديله من قبل المجالس الطبية المتخصصة من قسطرة و تركيب دعامة إلى علاج دوائي داخلي و خارجي بقسم الأمراض الباطنية و على هذا الأساس أنا قبلت القرار
قال و هو يبتسم ساخراً
- قصدك التعديل اللي بخط الأيد ده ؟
قلت متحلياً بثبات الموظف القديم
- هو بخط الأيد فعلاً لكن معتمد بتوقيع مدير عام المجالس الطبية و بختم النسر
تراجع إلى الخلف مريحاً ظهره إلى مسند الكرسي الوثير و هو يقول
- بس مبلغ القرار ما اتعدلش زي نوع العلاج , فضل المبلغ زي ما هو 6500 جنيه برضه
تحديتُ جلسته المريحة بابتسامة خفيفة لكن واضحة تقذف في وجهه تلالاً من الاستهانة و الثقة بالنفس
- التعديلات دي مش من اختصاصي دي اختصاص و مسئولية المجالس الطبية هي اللي تُسأل عنها أنا مجرد جهة تنفيذية بنفذ اللي موجود في القرار وبس حتى لو كان بخط الأيد ما دام معتمد بتوقيع المسئول و ختم النسر, يثبِّتوا المبلغ بقى يغيروه مش بتاعتي , دي لوايحهم همَّا مش لوايحي أنا و معنديش علم بيها
توارت الهيبة في ملامحه و نبت اليأس في نظرة عينيه كالزرع الشيطاني أحسستُ أنه أدرك أخيراً أنني لست الجردل المنشود وقعتُ على محضر التحقيق بيدٍ ثابتة و ابتسامة المنتصر و قلت و أنا أتحرك نحو الباب
- سلامو عليكوا
لم أكن أتوقعُ رداً , غادرتُ الحجرة و في أنفي رائحة جديدة
تطلعت إليَّ زميلتي في حجرة المكتب بعينين متسائلتين دون أن تنطق و على المقعد المقابل لمكتبي جلست امرأة بدت من هيئتها بطرحتها السوداء و جلبابها الأسود الفضفاض و بشرتها التي اكتسبت شيئا من لون الطين أنها من الفلاحين أو الصعيد بينما وشت ملامحها أن العمر على بُعد خطوة أو خطوتين من العقد الخامس و ما أن جلستُ إلى مكتبي حتى لمع في عينيها أنني الشخص المنتظر قالت بلهجة الفلاحين
- أستاذ أحمد ؟
- أيوه أنا
قالت بصوت من وجد مبتغاة أخيراً بعد عناء سنوات طويلة من البحث
- الحمد لله , أنا بقالي ساعة مستنية حضرتك
قلتُ بضيق وصل إلى الحلقوم
- مكنتش بلعب و الله , كنت بشوف المصايب اللي بتتحدف عليا
قالت بسرعة تدفعُ عني سوء الظن
- لا لا و الله أنا ما اقصدش , أنا بس عايزه أقولك أنا جايه لحضرتك و عشمانة في كرم أخلاقك
همستُ في سري ( اللهم ما طولك يا روح )
- أفندم ؟
- حضرتك أنا ابني عنده تليف في الرئة اليمنى و الدكاترة قالوا إنه محتاج عملية استئصال ليها و عشان إحنا على قد حالنا و ربنا يشهد طلعنا قرار من وزارة الصحة ( قلتُ في نفسي الله يخرب بيت وزارة الصحة ) و جبناه هنا قوم نلاقي الجدع الموظف اللي تحت رافض يدخله بالقرار
- رافض ليه ؟
- معرفش , كده و خلاص
أه يا ربي
- يعني إيه كده و خلاص ؟ أكيد في سبب قالك عليه هو ما يعرفكيش عشان يضايقك , على العموم يا ستي مكتب مديرهم جنب مكتبهم روحي له
- ما أنا رحت و مكنش موجود
- طب عايزه مني أنا إيه ؟
- الجدع اللي تحت قالي وريه لبتاع الحسابات لو رضي خليه يمضي على القرار
استندت بكوعيِّ على سطح المكتب ضاغطاً بكفيِّ على جانبيِّ رأسي محاولاً منعه من الانفجار , لم تتكلم , حدس ظني أنها تخشى غضبي فلزمتْ الصمت مددتُ لها يداً دون أن أرفع عينيَّ إليها
- فين القرار ؟
و بسرعة البرق كان في يدي دون أن تنطق بحرف واحد , ألقيتُ نظرة متفحصة على القرار كان سليما من حيث الشكل و الختم واضح لا ريب فيه سألتها و قد عاد إليَّ القليل من الهدوء ربما يكون مبعثه رؤية قرار سليم بلا إضافات خطية
- أبنك بيشتغل إيه ؟
قالت بتوسل شديد و قد استوت جميع تعبيرات الوجه على معنى الرجاء
- و النبي يا ابني , حلفتك بأغلى ما عندك متعقدهاش
قلتُ و أنا أضربُ كفاً بكف
- لا حول و لا قوة إلا بالله , يا ستي أنا عقدلك حاجة ؟ أنا بسئلك أبنك بيشتغل إيه ؟
قالت و هي تتعثرُ في ارتباكٍ لا حد له
- أصله ..... أصله يا بيه ..... أصله
- أصله إيه يا ستي و النبي ؟
- أصله ما بيشتغلش
قلتُ و قد أتضح لي كل شيء , عرفتُ لماذا رفض موظف مكتب الدخول قبول القرار كدفعة تأمينية لدخول المستشفى
- قصدك تقولي إنه لسه طالب
- و فيها إيه بس حضرتك ؟
- فيها أنه طالب يعني ليه تأمين صحي و ما ينفعش ينتفع بالعلاج على نفقة الدولة مع التأمين الصحي
قالت ببساطة من وجد الحل الحاسم
- خلاص يا بيه إحنا مش عايزين التامين الصحي , نلغيه خالص
- يا ستي هو بمزاجي ؟!!
- أمال بمزاج مين ؟
قلتُ بحدة و قد بدأ صدري يضيق
- و انا إيش عرفني ؟ ما تروحي تسألي في التأمين
- ازاي يا بيه ما تعرفش ؟ بص بقى حضرتك أنا معايا قرار من الحكومة بأني أعالج ابني هنا و الكلام اللي انتوا بتقولوه ده أنا ما ليش دعوه بيه
بذلتُ جهداً خرافياً لتخرج كلماتي هادئة و بطيئة لعلها تفهم
- دي تعليمات و قوانين أنا مش بأيدي حاجة
أرتفع صوتها و هي تقول بنبرة باكية
- يعني إيه ؟ هي التعليمات بتقول أن ابني يموت ؟
قلتُ و قد طفح الكيل
- أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم , و مين بس قال كده ؟ عندك مستشفيات التأمين الصحي خديه يتعالج هناك على حسابهم
- و هي دي مستشفيات يا بيه ما هو كان في مستشفى التأمين في البلد و كل ما يحتاج حاجة يقولوا مش موجودة كان مطلوب له أشعة مقطعية عملناها على حسابنا في مركز أشعة تخصصي عشان مكنتش موجودة و كل ما يعوز دوا يقولوا مفيش اشتروا من بره و يعلم ربنا إحنا بنجيب الفلوس ازاي ده أبوه ميت من سنتين و الحمل كله عليا أنا لوحدي
قالت ذلك و انخرطتْ في بكاء شديد , عقد الصمت لساني , أدركتُ أني لم أترك توقيعي في محضر التحقيق فقط و لكن قلبي أيضاً هكذا يصنعون منا تروساً حقيقية تدور كما يهوى الصانع , قالت بعد أن خفت حدة البكاء
- شوف لي حل عندك ربنا يخليك
قلتُ و أنا أنظر في ملف سحبته من خزانة المكتب
- روحي حضرتك لمدير الحسابات أو حتى مدير المستشفى لكن أنا معنديش حل
مسحت دموعها في طرحتها السوداء و قالت و هي تقف استعداداً للانصراف
- ربنا موجود يا بيه و مش هينسانا أنا و ابني أبدا
خرجت من الحجرة مخلفة وراءها نظرة اتهام بالقسوة في عينيِّ زميلتي التي كانت صامتة طوال وجودها و ظلت على صمتها حتى موعد الانصراف .
و بعد عدة أيام قامت إدارة المستشفى العليا بتعيين مستشاراً قانونياً جديداً لها وبعد مرور شهر تقريباً تم توزيع مذكرة خرجت من مكتب المستشار القانوني تشتمل على تعليمات جديدة بخصوص قبول قرارات العلاج على نفقة الدولة و معتمدة من مدير المستشفى للنشر و التنفيذ و كانت المفاجأة الكبرى حيث تبين بعد الرجوع إلى نصوص القانون أن العلاج على نفقة الدولة حق لكل مواطن مصري بما في ذلك العاملين في الهيئات و المصالح الحكومية و المنتفعين بالتأمين الصحي كما أن التعديلات الخطية تكتسبُ رسميتها من توقيع الموظف المختص و اعتماده بشعار الجمهورية و تساءل الجميع عن معنى ذلك المنشور الذي صدر عن المجالس الطبية و أثار كل هذه الضجة و أين كان رجال القانون طوال هذه الفترة , و تساءلوا أيضاً أليس وكيل النيابة من رجال القانون ألم يكن على علم بما ورد في مذكرة المستشار القانوني أم أن هناك قانوناً غير القانون , عدتُ يومها إلى البيت و أنا أشعر و كأني سأغوصُ في الأرض مدفوعاً بجبال الهم الجاثمة بين الضلوع , تمنيتُ لو أني تمكنتُ من وسيلة للاتصال بكل من رفضتُ له قراراً و في تلك الليلة رأيتُ في منامي شاباً صغيراً يرقدُ ميتاً على سرير قذر في حجرة كالحة الجدران و على كرسيٍّ بجواره جلستْ امرأة ترتدي طرحة سوداء و جلباب أسود و قد ارتمت برأسها على صدره و هي تصرخ بالبكاء اقتربت منها ببطء و وضعتُ يدي على رأسها , أردتُ أن أواسيها و لكني فوجئتُ بنفسي و أنا أقول
- بردون مدام , لكن التعليمات كانت واضحة





الأحد، 11 مايو، 2008

تعريف

أنا من شهوة الأحلام ِ

عربيدٌ

نديمُ الريح و الأنواءْ

نزعتُ الثوبَ و الأقداحُ ترتطمُ

أفضُ بكارة الأشياءْ

لعلي في جنون النزفِ

ألمحُ جنة الشعراءْ

على تنويعة النايات في الذكرى

يبوحُ الليلُ بالأنوارْ

و يفتحُ حارسُ الأسرار مخزنهُ

فتمرحُ في مراعي النورِ

ما فاضتْ به الأسرارْ

على تنويعة النايات تمتلئُ

دنانُ العطر في الأزهارْ